ابن أبي الحديد
194
شرح نهج البلاغة
فيهم بسيره الكفار ، لأنه ما سباهم ، ولا غنم أموالهم ، ولا تبع موليهم قلنا احكام الكفر تختلف ، وان شملهم اسم ( الكفر ) ، لان في الكفار من يقتل ولا يستبقى ، وفيهم من يؤخذ منه الجزية ولا يحل قتله الا بسبب طارئ غير الكفر ، ومنهم من لا يجوز نكاحه على مذهب أكثر المسلمين ، فعلى هذا يجوز أن يكون أكثر هؤلاء القوم كفارا ، وإن لم يسر فيهم بجميع سيرة أهل الكفر ، لأنا قد بينا اختلاف احكام الكفار ، ويرجع في أن حكمهم مخالف لأحكام الكفار إلى فعله عليه السلام وسيرته فيهم . على انا لا نجد في الفساق من حكمه أن يقتل مقبلا ، ولا يقتل موليا ، ولا يجهز على جريحه ، إلى غير ذلك من الاحكام التي سيرها في أهل البصرة وصفين . فإذا قيل في جواب ذلك احكام الفسق مختلفة ، وفعل أمير المؤمنين هو الحجة في أن حكم أهل البصرة وصفين ما فعله . قلنا مثل ذلك حرفا بحرف ، ويمكن مع تسليم أن الداعي لهؤلاء المخلفين أبو بكر ، أن يقال ليس في الآية دلالة على مدح الداعي ولا على إمامته ، لأنه قد يجوز أن يدعو إلى الحق والصواب من ليس عليهما ، فيلزم ذلك الفعل من حيث كان واجبا في نفسه ، لا لدعاء الداعي إليه ، وأبو بكر إنما دعا إلى دفع أهل الردة عن الاسلام ، وهذا يجب على المسلمين بلا دعاء داع ، والطاعة فيه طاعة لله تعالى ، فمن أين له أن الداعي كان على حق وصواب وليس في كون ما دعا إليه طاعة ما يدل على ذلك . ويمكن أيضا أن يكون قوله تعالى ( ستدعون ) ، إنما أراد به دعاء الله تعالى لهم بايجاب القتال عليهم ، لأنه إذا دلهم على وجوب قتال المرتدين ، ورفعهم عن بيضة الاسلام ، فقد دعاهم إلى القتال ، ووجبت عليهم الطاعة ، ووجب لهم الثواب إن أطاعوا ، وهذا أيضا تحتمله الآية .